عبد الملك الجويني

220

الشامل في أصول الدين

نفي الصفات القديمة ، وسنوضح الدلالة القاطعة على ثبوتها إن شاء اللّه . والوجه الآخر في القدح أن نقول : إن لم يبعد منكم الفصل بين الشاهد والغائب في حكم العلم والقدرة والحياة وسائر الصفات ، حتى قلتم العالم شاهدا يفتقر إلى العلم ، ثم أثبتم القديم عالما ، مع قطعكم بنفي العلم غائبا ، فبم تنكرون على من يلزمكم مثل ذلك في حكم التأليف . ونقول : التأليف شاهدا إنما يتصف بذلك عند قيام التأليف به ويتصف القديم بكونه متألفا ، تعالى اللّه عن ذلك ، من غير تأليف ، وهذا لا محيص لهم عنه . فإن رجعوا فقالوا : إنما نفينا العلم من حيث وجب كونه عالما ، فاستقل هذا الوصف بوجوبه عن علة تقتضيه ، وليس يتحقق وجوب التأليف . فالجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما أن نقول : بم تنكرون على من قال لكم من المجسمة أن التأليف واجب ، كما أن كونه عالما واجب ؟ فإن قالوا : قد قام الدليل على وجوب اتصافه بكونه عالما ، ولم يقم الدليل على اتصافه بكونه مؤلفا . قلنا : عدم قيام الدليل ؟ على الوجوب لا ينفي الوجوب ، فأقيموا دلالة على نفي الوجوب . وإن اعترفتم بانتفاء الدليل في النفي والإثبات ، فشكوا فيما لم تثبت فيه دلالة ، وهذا لا مخلص منه . ومما يهذون به كثيرا قولهم : لو كان القديم جسما ، لما كان قادرا إلا بقدرة . فإثبات القدرة القديمة محال . وهذا الذي ذكروه بناء منهم على ضلالاتهم في الصفات وسنبسط القول فيها إن شاء اللّه . على أنا نسلم لهم ما راموا جدلا ، ونوضح اضطراب مقالتهم في كل مسلك ونقول لهم : بم تنكرون على من يزعم أنه جسم قادر لنفسه ، والقدرة لم تثبت شاهدا من حيث كان القادر جسما . وإنما تثبت القدرة عندكم من حيث كان الاتصاف بها جائزا غير واجب ؟ فإذا قال الملتزم : القديم جسم واجب له الاتصاف بكونه قادرا ، وتنتفي القدرة من حيث وجب الحكم ، فلا يجدون عن هذا الانفصال سبيلا . ومما يتمسكون به أن قالوا : لو كان القديم جسما ، لوجب أن يكون قابلا للحوادث ، ولو قبلها دلت على حدثه . وهذا غير سديد أيضا على أصلهم ، فإنه لا يستقيم لهم على إحالة قيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى . إذ أقصى الدليل فيه أن القديم ، لو قبل